جلال الدين السيوطي.. قاضي رحال تحول قبره إلى ضريح

مولد جلال الدين السيوطي-أسيوط

رندا ثروت

أنوار تملأ الشوارع، وأناس يأتون من مختلف المناطق، وصوت يسحر مستمعيه، حيث يقف فارس المنشدين محمود ياسين التهامي ينشد قصائده الدينية في حب رسول الله وآل البيت، احتفالًا بمولد العارف بالله جلال الدين السيوطي، الذي يبدأ في الأسبوع الأول من شهر سبتمبر وينتهي يوم 21 من نفس الشهر.

قبل أسبوع من مولده يتجمع مريديه حول ضريحه بمنطقة القيسارية، فمنهم من يأتي محتفلًا أو طالبًا للرزق والشفاء، وآخرون يتباركون بقراءة الفاتحة هناك ويخصصون مبلغ من المال يضعوه في صندوق النذور، فالعارفين بالله وأولياء الله الصالحين موروث ثقافي ومجتمعي مرتبط في أذهان البعض بتحقيق الأمنيات، وهو ما عبر عنه أحد مشاهد مسلسل «السبع وصايا»، الذي ظهر فيه الفنان هيثم أحمد زكي، داخل الضريح يدعو ويتبارك باسم جلال الدين ليخرجه من مأزقه.

عند دخولك للمقام وهو المسمى الدارج لكلمة الضريح، تجد لافتة كتب عليها اسمه مصاحبًا بآية قرآنية «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»، وقد فصل المقام عن المسجد، تجنبا للإزدحام الذي يسببه توافد الكثيرين من مختلف المناطق لنيل البركة والكرمات.

السيوطي هو عبد الرحمن بن الكمال ويلقب بجلال الدين، ولد عام 849هـ الموافق سبتمبر 1445م في القاهرة، وجاءت نسبته إلى أسيوط من قبل والده، الذي ولد بأسيوط واشتغل بالقضاء فيها قبل قدومه إلى القاهرة.

حفظ السيوطي القرآن وتولى تحفيظه والده حتى وصل لسورة التحريم، ولم يكمل الثامنة وأتم حفظ القرآن الكريم كاملا، كما برع في 7 علوم هي التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع، ليصل عدد مؤلفاته لـ583 ومن أشهرها الإتقان في علم القرآن ومختصر الأحياء وطبقات المفسرين وكتاب مفتاح الجنة وغيرهم من المؤلفات.

تولى عده مناصب منها في القضاء والتدريس، وسافر لبلاد كثيرة منها الشام والهند والمغرب لتحصيل العلم ودراسة الحديث، إلى أن أعتزل وتفرغ للعبادة في سن الأربعين.

مكانته الدينية وكرماته كما يطلق البعض عليه، جعلت من يوم ختام مولده يوما يمتزج فيه الفن بالروحانية، فعن الترتيب لهذا اليوم يتم استخراج كافة التصريحات الأمنية، بعدها تخرج مسيرة للطرق الصوفية مرددة الأناشيد الدينية، وتدعو المواطنين للمشاركة في احتفالات المولد.

«يا إمام العلم يللى مقامك منور، يا إمام العصر والقطب واقف على بابك، بالشكوى شدوا الرحال إليك يا سيدي جلال»، هكذا يردد محبي السيوطي محتفلين بمولده.

وتجد التهامي مرتديًا زيه الصعيدي ينشد «يا أعظم المُرسلين ويا قمر النبيين يا جليس الذاكرين ويا أنيس الموحدين يا زهره للمادحين يا واصل المنقطعين يا نجاة الهالكين، ويا ملاذ العائذين يا شفوق على اليتامى والمساكين يا رحمة للعالمين مدد مدد يا سيدي يا رسول الله»، لنرى المحبيين والمتيميين يشكلون صفوفًا ويتمايلون بروؤسهم يمينا ويسارًا مؤدين الرقصة الصوفية، التي تكمن فلسفتها في سمو الروح وتحليقها بعيدًا عن متاعب العقل ومشاغله.

صورة أرشيفية

ويمتد المولد حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي منسجمين مع التهامي، وهو ينشد لهم «أكادُ من فرط الجمال أذوب هل يا حبيب في رضاك نصـيبُ جعلتُ قلبي يهفو دوما للقاء وإذا ذكـرتُ يا حبيبي أطـيبُ بمجرد الأذكار قلبي هائمُ هل فؤادي عنك قط يغـيبُ إني الأسيرُ بحبي فيك في شرع الهوى فارحم قلوبُ نال منها شحوب شاقني وجدي وحبك مطلبُ من شاقه حبُ الجمالِ يصيبُني الفقيرُ إليك عبدُ رضاكم عطفًا علي فإنني المجذوبُ».

 وينتهي المولد وينصرف عشاق جلال الدين بعد أن أمضوا ليالي في حضرته، منتظرينه بشوق في العام المقبل يحملون له دعوات وأمنيات جديدة.


الكاتب

رندا ثروت> رندا ثروت

شارك برأيك